الحمد لله.
الإدام من النعم التي تفضل الله تعالى بها على عباده.
كما في قول الله تعالى:
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ المؤمنون (20).
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
"قال المفسّرون: والمراد بالصّبغ ها هنا: الزّيت، لأنه يلوّن الخبز إذا غمس فيه، والمراد أنه إدام يصبغ به" انتهى. "زاد المسير" (5 / 468).
لكن لم نجد نهيا عن أكل الخبز بلا إدام، فلم نقف على شيء من ذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل كما يأكل قومه، فيأكل الخبز بما يتيسر عنده من الإدام.
كمثل ما ورد عند الإمام مسلم (2052): عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ).
وروى الحاكم في "مستدركه" (7323)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (9153)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (2392)، عن شَقيق، قال: دخلتُ أنا وصاحبٌ لي على سلمان، فقرَّب إلينا خبزًا ومِلحًا، فقال: لولا أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهانا عن التكلُّفِ لتكلَّفتُ لكم، فقال صاحبي: لو كان في مِلْحنا سَعْترٌ، فَبَعَثَ بمِطْهرته إلى البقَّال فرَهَنَها، فجاء بسَعْتر فألقاه فيه، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قَنَّعَنا بما رَزَقَنا، فقال سلمانُ: لو قَنِعتَ بما رُزِقتَ، لم تكن مِطهَرتي مرهونةً عند البقَّال!
فالسنة أن يأكل الإنسان من المباحات ما يشتهي ويتيسر له، ولا يتكلف أو يكلف نفسه أكلا لا يشتهيه، فإذا اشتهى الإدام أكل، وإن لم يشتهه لا يأكل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ) رواه البخاري (5409) ومسلم (2064).
قال ابن هبيرة رحمه الله تعالى:
"وفيه: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يأكل إلّا ما يشتهيه لقوله: (كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ)، وهذا يدلّ على أنّه يستحبّ للإنسان ألّا يأكل من الطّعام إلّا ما يشتهيه، ولا يجاهد نفسه على تناول ما لا يريده" انتهى. "الإفصاح" (7 / 166).
وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى:
"هذا من أحسن آداب الأكل، وأهمّها، وذلك: أنّ الأطعمة كلّها نعم الله تعالى، وعيب شيء من نّعم الله تعالى مخالف للشّكر الّذي أمر الله تعالى به عليها.
وعلى هذا: فمن استطاب طعاما فليأكل، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكّنه منه، وأوصل منفعته إليه. وإن كرهه؛ فليتركه، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكّنه منه، وأعفاه عنه، ثمّ قد يستطيبه، أو يحتاج إليه في وقت آخر فيأكله، فتتمّ عليه النّعمة، ويسلم مما يناقض الشّكر" انتهى. "المفهم" (5 / 344).
والله أعلم.