الحمد لله.
هذا الخبر ذكره ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية"، بلا إسناد ولا عزو إلى مصدره، حيث قال رحمه الله تعالى:
" ومن قضايا علي رضي الله عنه: أنه أُتي برجل وُجد في خَرِبة بيده سكين متلطخ بدم، وبين يديه قتيل يتشحَّط في دمه، فسأله؛ فقال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه. فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعًا، فقال: يا قوم، لا تعجلوا. ردوه إلى علي، فردوه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنك قاتله، ولم تقتله؟ قال: يا أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف العَسسُ على الرجل يتشحط في دمه، وأنا واقف، وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذتُ في خربة؟ فخفت ألا يقبل مني، وأن يكون قسامة، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله. فقال علي: بئس ما صنعت. فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصَّاب، خرجت إلى حانوتي في الغَلس، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا عليّ، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجْنه، فقال علي للمقرّ الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال: اعتراني فلس، فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. فلما أمرتَ بقتله علمت أني أبوء بدمه أيضًا فاعترفت بالحق.
فقال علي للحسن رضي الله عنهما: ما الحكم في هذا؟
قال: يا أمير المؤمنين، إن كان [يعني: الرجل الثاني، وهو القاتل حقيقة] قد قتل نفسًا، فقد أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32]، فخلى عليٌّ رضي الله عنه عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال " انتهى. "الطرق الحكمية" (1 / 140 — 142).
والظاهر أن ابن القيم رحمه الله تعالى لم يقف على هذا الخبر مسندا، لذا لم يتطرق إلى بيان صحته أو ضعفه، وانتقل إلى الكلام على إسناد ومتن حديث يشهد له في المعنى.
ويحتمل جدا أن يكون وجده في كتاب "أقضية علي"، بلا إسناد، كحال الخبر الذي ساقه بعد ذلك.
حيث قال في (1 / 152):
" وقرأت في "كتاب أقضية علي" رضي الله عنه، بغير إسناد … " انتهى.
قال محقق "الطرق الحكمية": " ["كتاب أقضية علي] للأصبغ بن نباتة، ولم أجده مطبوعا ولا مخطوطا " انتهى.
وهذا الخبر ذكره ابن قدامة المقدسي، على أنه من قضاء عمر رضي الله عنه، حيث قال رحمه الله تعالى:
" رُوِيَ، أنَّ رجلًا ذبَحَ رجلًا في خَرِبَةٍ، وَتَرَكَه وهَرَبَ، وكان قَصَّابٌ قد ذبحَ شاةً، وأرادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فهَرَبَتْ منه إلى الخَرِبَةِ، فتَبِعَها حتى وقفَ على القتيلِ، والسِّكِّينُ بيَدِه مُلَطَّخَةٌ بالدَّمِ، فأخِذَ على تلك الحالِ، وجىءَ به إلى عمرَ، رضي الله عنه، فأمرَ بقَتْلِه، فقال القاتلُ في نفسِه: يا وَيْلَه، قتلتُ نفسًا، ويُقتَلُ بسَببي آخَرُ. فقام فقال: أنا قَتَلتُه، ولم يَقْتُلْه هذا. فقال عمرُ: إن كان قد قتلَ نفسًا، فقد أَحْيَى نَفْسًا. ودَرأَ عنه القِصاصَ " انتهى. "المغني" (12 / 201 - 202).
وقال محقق الكتاب:
" لم نجده فيما بين أيدينا " انتهى.
الخلاصة:
هذا الخبر لم تثبت صحته، فلم يرد في شيء من كتب السنن والآثار، ومن يذكره من أهل العلم يذكره بلا إسناد.
وقد ورد في بعض كتب الشيعة، ومع كون أسانيدهم تالفة، فقد أوردوه بإسناد ظاهر الانقطاع.
والله أعلم.