الحمد لله.
أولًا:
الموضعان المذكوران كلاهما في سورة الأنعام، وهما:
1. قوله تعالى في الموضع الأول: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأنعام/99.
2. قوله تعالى في الموضع الثاني: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الأنعام/141.
قال ابْنِ جُرَيْجٍ، رحمه الله : "قَوْلُهُ: مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ [الأنعام: 141] قَالَ: «مُتَشَابِهًا فِي الْمَنْظَرِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي الطَّعْمِ" تفسير الطبري (9/594).
ثانيًا:
إن صيغتي الافتعال (مُشْتَبِه) والتفاعل (مُتَشَابِه) متقاربتان في المعنى، وأصلهما واحد وهو المماثلة والمقاربة.
قال الراغب الأصفهاني، رحمه الله: «الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: حقيقتها في المماثلة من جهة الكيفيّة، كاللّون والطّعم، وكالعدالة والظّلم، والشُّبْهَةُ: هو أن لا يتميّز أحد الشّيئين من الآخر لما بينهما من التّشابه، عينا كان أو معنى، قال: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً.
[البقرة/ 25] ، أي: يشبه بعضه بعضا لونا لا طعما وحقيقة، وقيل: متماثلا في الكمال والجودة، وقرئ قوله: (مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) [الأنعام/ 99]، وقرئ: (مُتَشابِهاً) [الأنعام/ 141]، جميعا، ومعناهما متقاربان». انتهى، من المفردات في غريب القرآن (ص443).
وقال أبو حيان: وقرأ الجمهور: (مشتبها). وقُرئ، شاذًّا: (متشابها)، وهما بمعنى واحد، كاختصم وتخاصم، واشترك [وتشارك]، واستوى وتساوى، ونحوها مما اشترك فيه باب الافتعال والتفاعل. انتهى، من البحر المحيط في التفسير (4/ 599).
وقال أبو حفص النسفي، رحمه الله: والاشتباهُ والتَّشابهُ واحدٌ، يُقال: اشتبهَتِ الأمورُ وتَشابهت. التيسير في التفسير (6/ 237).
ومما يدل على ذلك: أن هذه الآية نفسها قد وضعتهما في موضع واحد، وجعلت إحدى الكلمتين مكان الأخرى.
قال السمين الحلبي، رحمه الله: "وأيضاً فقد جَمَعَ بينهما في هذه الآية في قوله «مشتبهاً وغير متشابه". انتهى، من الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (5/ 80).
ومثل ذلك يكفي فيه أن تكون نكتة المخالفة بينهما: التفنن في العبارة، كما هو جار في لسان العرب.
ثالثًا:
ذكر بعض العلماء أنه قد جاء التعبير في الموضع الأول بصيغة الافتعال مُشْتَبِهًا لأنها أخف البناءين، بينما جاء في الموضع الثاني بصيغة التفاعل مُتَشَابِهًا لأنها أثقل وزناً، رعايةً لترتيب النظم والتدرج في السياق.
قال الغرناطي رحمه الله في ملاك التأويل (1/166):
"قوله تعالى:(والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) وورد فيما بعد من هذه السورة: (والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره وآتوا حقه يوم حصاده)، فورد في الآية الأولى "مشتبها وغير متشابه"؟
والجواب عن الأول: أن مشتبها ومتشابها لا فرق بينهما، إلا ما لا يعد فارقا؛ إذ الافتعال والتفاعل متقاربان، أصولهما: الشين والباء والهاء، من قوله أشبه هذا هذا؛ إذا قاربه وماثله.
[وقد] ورد في أولى الآيتين على أخف البناء، وفى الثانية على أثقلهما، رعيا للترتيب المتقرر. وقد مر نحو هذا في قوله: "فمن تبع هداى " وقوله "فمن اتبع " في سورة طه" انتهى. وأخذه السيوطي في "معترك الأقران" (2/481).
ويقصد الغرناطي بهذا-والله أعلم-:
إذا اتحد المعنى أو تقارب بين صيغتين مشتقتين من أصل لغوي واحد، وكانت إحدى الصيغتين أخف في الوزن واللفظ وأقل حروفاً من الأخرى، فإن النظم القرآني يراعي في ترتيب ورودهما تقديم الصيغة الأخف (كالافتعال: مُشْتَبِه) في الموضع الأول المتقدم، وتأخير الصيغة الأثقل والأزيد حروفاً (كالتفاعل: مُتَشَابِه) إلى الموضع المتأخر.
واستشهد الغرناطي على هذه القاعدة بما جاء في سورة البقرة في قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ حيث وردت بصيغة الفعل المجرد الأخف (تَبِعَ)؛ لأنها في الموضع المتقدم من القرآن، بينما جاءت في سورة طه في قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ بصيغة المزيد الأثقل (اتَّبَعَ)؛ لأنها في موضع متأخر.
والله أعلم.