الحمد لله.
أولا:
هذا الحديث رواه الإمام البخاري (3661)، (4640): عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عائذِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ رضي الله عنه قالَ: (كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، حَتَّى أَبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا صاحِبُكُمْ فَقَدْ غامَرَ. فَسَلَّمَ وَقالَ: إِنِّي كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ. فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يا أَبا بَكْرٍ. ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ فقالوا: لَا. فَأَتَى إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثا على رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ أَنا كُنْتُ أَظْلَمَ. مَرَّتَيْنِ، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقال أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ. وَواسانِي بِنَفْسِهِ وَمالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تارِكُو لِي صاحِبِي؟! مَرَّتَيْنِ، فَما أُوذِيَ بَعْدَها).
وقد بيّن أهل العلم في شرح هذا الحديث أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن معصومًا من الخطأ، وأنه بادر إلى الندم وطلب المسامحة، كما بيّنوا أن غضب النبي صلى الله عليه وسلم كان تنبيهًا إلى عظيم منزلة أبي بكر وسابقته في الإسلام، وأنه لا ينبغي الاستمرار في مغاضبته وإيذائه. وليس في ذلك إقرار له على ما بدر منه من خطأ، ولا إسقاط لحق عمر رضي الله عنه.
فالحديث ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا بكر على ما بدر منه، بل دعا له بالمغفرة: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يا أَبا بَكْرٍ).
ولم يلمه لأن أبا بكر رضي الله عنه كان قد ندم من ساعته على ما بدر منه، وحاول استرضاء عمر رضي الله عنه، كما تبيّنه الرواية الثانية عند البخاري: (فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ)، ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم باحثا عن المخرج، كما يبينه قوله رضي الله عنه: (كانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ).
ولكن لام النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه؛ ليبين له ولسائر الصحابة رضوان الله عليهم أنّ لأبي بكر رضي الله عنه فضلا وسابقةً في الدين، ينبغي معرفتها له، وتوقيره، وإنزاله منزلته، حتى أخذ أهل العلم من هذا الحديث ان الفاضل لا ينبغي أن يغاضب.
قال ابن الملقّن رحمه الله تعالى:
"وفيه: أن الرجل لا يقاوِم من هو أفضل منه " انتهى. "التوضيح" (20 / 261).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وفي الحديث من الفوائد: فضل أبي بكر على جميع الصحابة، وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضِب من هو أفضل منه" انتهى. "فتح الباري" (7 / 26).
ثانيا:
العفو من مكارم الأخلاق التي ندب الشرع إليها، ومع ذلك، فهو غير واجب، ولا يلزم صاحب الحق أن ينزل لصاحبه عن حقه، ويعفو عنه فيه. وراجع للفائدة جواب السؤال رقم (175439)، ورقم (171751).
لكن جانب العفو في هذه النازلة كان متأكدا، فوق ما ندب الشرع إليه من العفو العام.
فإن أبا بكر هو من هو سابقةً، ومنزلة من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الإسلام أيضا.
ثم لم يكن بين أبي بكر وعمر مال يتشاحان عليه، ولا مظلمة تقتضي قضاء، وأداء حق، ونحو ذلك، وحاشاهما أن يختصما في ذلك ونحوه؛ وإنما كانت مقاولة بينهما، وأمرا فيه كلام أغضب عمر من أبي بكر. وهذه غايتها. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لعمر: أنت المخطئ، ولم يقض لأبي بكر عليه في شيء؛ غاية ما هنالك أنه أكد عليهم حقه، ونبههم عليه، وكره إغضاب أبي بكر، وإن كان ذلك من عمر، رضي الله عنهما وأرضاهما. ولهذا قال أبو الدرداء في آخر روايته: (فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا).
والله أعلم.