الحمد لله.
أولا:
إذا طلق الرجل زوجته، وانقضت عدتها، وصار يعدها بالزواج منها، ولم يفعل، فإنه لا يأثم بذلك إذا كان صادقا عندما وعدها؛ لا يريد إيذاءها والتلاعب بمشاعرها، ولا يريد التوصل بذلك إلى شيء محرم، كرؤيتها والاستمتاع بحديثها، ومعلوم أنه بعد انقضاء العدة لا يحل لأنه صار أجنبيا عنها.
وإن كان حصل شيء من ذلك فالواجب عليك التوبة منه.
ولا غرابة في تردد الرجل وبحثه عن أخريات، ثم عودته للتفكير في الأولى؛ فإن الطلاق يعني وجود أسباب تدعو إليه من سوء عشرة بينهما، أو عدم قبول لها، أو اختلاف في أسلوب أو طريقة تفكير كل منهما، ونحو ذلك، فيرغب الرجل في الزواج من غيرها، ثم قد لا يجد من هو أفضل منها، أو من هو خال من نوع من العيوب -وهو الغالب على الناس- فيقول: أرجع إلى الأولى، فقد خَبَرتُها وعرفتُ ما لها وما عليها، ثم قد يظهر له أثناء البحث من يظن أنه يستريح معها أكثر من الأولى، فينصرف إليها، فالتردد في مثل هذه الأمر مفهوم، لكنه يدل على أن سبب الطلاق الأول ليس عظيما، وأن التباين بينهما ليس كبيرا.
والمقصود أنه حيث كان الرجل صادقا في وعده، غير مريد للأذى، ولا الحرام، فلا إثم عليه لو قدّر أنه في نهاية الأمر تزوج من غيرها ولم يرجع إليها.
والمرأة قد يعتريها مثل ذلك، فتكون راغبة في العودة إلى زوجها، ومع ذلك لا ترفض الخطاب، وتُمنّي نفسها أن تجد أفضل من طليقها.
وقد نص الفقهاء على أنه لا يأثم من رجع في الوعد بالزواج، ولو بعد الخطبة، إلا إن كان الرجوع لغير سبب، فيكره.
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (7/ 146): "ولا يكره للولي الرجوع عن الإجابة، إذا رأى المصلحة لها في ذلك؛ لأن الحق لها، وهو نائب عنها في النظر لها، فلم يكره له الرجوع الذي رأى المصلحة فيه، كما لو ساوم في بيع دارها، ثم تبين له المصلحة في تركها. ولا يكره لها أيضا الرجوع إذا كرهت الخاطب؛ لأنه عقد عُمْر يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها، والنظر في حظها.
وإن رجعا عن ذلك لغير غرض، كره؛ لما فيه من إخلاف الوعد، والرجوع عن القول، ولم يحرم؛ لأن الحق بعدُ لم يلزمهما، كمن ساوم بسلعته، ثم بدا له أن لا يبيعها" انتهى.
وقال الدسوقي في "حاشيته على الدردير" (2/ 217): "واعلم أن رد المرأة أو وليها، بعد الركون للخاطب: لا يحرم، ما لم يكن الرد لأجل خطبة الثاني" انتهى.
ثانيا:
المال الذي أعطيتِه لطليقك دون اتفاق على رده، يعتبر هبة، والأصل تحريم الرجوع في الهبة، إلا إذا كانت لغرض ولم يتحقق، كأن تكون الهبة ليرجع إليك، فإذا لم يفعل جاز لك المطالبة بما أعطيتِه.
روى مالك في "الموطأ" (1477) أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: "مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ: فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا".
قال الألباني: " وهذا سند صحيح على شرط مسلم " انتهى من "إرواء الغليل" (6/ 55).
والمراد بالثواب: العِوَض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا المنصوصُ جارٍ على أصول المذهب، الموافقة لأصول الشريعة؛ وهو أن كل من أُهدي أو وُهب له شيء بسببٍ: يثبت بثبوته، ويزول بزواله، ويحرم بحرمته، ويحل بحله ...
ولو كانت الهدية قبل العقد وقد وعدوه بالنكاح، فزوجوا غيره: رجع بها" انتهى من "الفتاوى الكبرى" (5/ 472).
فإن كنتِ أعطيتِه المال بناء على أنه سيرجع إليك، فلم يفعل: فلك المطالبة به. وإن كان ذلك إحسانا ومراعاة لما كان بينكما، فهو هبة يحرم الرجوع فيها؛ لما روى أبو داود (3539) والترمذي (2132) والنسائي (3690) وابن ماجه (2377) عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ) والحديث صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
والله أعلم.