الاثنين 7 جمادى الأولى 1448 - 19 اكتوبر 2026
العربية

الدعاء عقب الصلاة بـ: ( اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا)؟

657795

تاريخ النشر : 19-10-2026

المشاهدات : 3

السؤال

ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم فى صحيح بن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعد التسليم من صلاة الصبح بهذا الدعاء ( اللهم إنى أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا )، وفي بعض الروايات الأخرى يكرره ثلاث مرات، فهل كان يدعو به بعد قول استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام وقبل أذكار ما بعد الصلاة، أم أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو به بعد الانتهاء من أذكار الصلاة ، وهل كان يرفع يديه عند هذا الدعاء، أم يكتفي بقوله دون رفع اليدين؟

ملخص الجواب

حديث: ( اللهم إنى أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا ) ورد من طرق لا تخلو من ضعف. ومن أهل العلم من قوّاها بمجموعها.

ولا يلزم ترتيب معين لأذكار ما بعد الصلاة، والأفضل البدء بالاستغفار واللهم أنت السلام، وليس من السنّة رفع اليدين في الذكر والدعاء عقب الفريضة.

الجواب

الحمد لله.

أولا:

هذا الدعاء رواه الإمام أحمد في "المسند" (44 / 221)، وابن ماجه (925)، وغيرهما: عن شُعْبَة، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَوْلًى لِأُمِّ سَلَمَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلَّمَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا).

وهذا الإسناد فيه مولى أمّ سلمة رضي الله عنها، وهو رجل مجهول.

قال البوصيري رحمه الله تعالى:

"هذا إسناد رجاله ثقات خلا مولى أم سلمة؛ فإنه لم يسم، ولم أر أحدا ممن صنف في المبهمات ذكره، ولا أدري ما حاله" انتهى. "مصباح الزجاجة" (2 / 598).

وقد تابعه الشعبيّ في رواية هذا الخبر عن أمّ سلمة رضي الله عنها.

روى الطبراني في "المعجم الصغير" (2 / 36)، قال: حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقًا طَيِّبًا، وَعِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا).

ثم قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا النُّعْمَانُ تَفَرَّدَ بِهِ عَامِر" انتهى.

قال الهيثمي رحمه الله تعالى:

"رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات" انتهى. "مجمع الزوائد" (10 / 111).

لكن الشعبيّ لم يثبت سماعه من أمّ سلمة، وقد نصّ على عدم سماعه منها بعض أئمّة الحديث.

قال مغلطاي رحمه الله تعالى:

"وفي "تاريخ نيسابور": سئل يحيى بن يحيى، الشعبي أدرك أم سلمة؟ فكأنّه قال: لا.

وفي "جامع بيان العلم": قال النخعي: الشعبي يحدث عن مسروق!! ووالله ما سمع منه شيئا قط.

وفي "علوم الحديث" للحاكم: لم يسمع الشعبي عن عائشة، ولا من ابن مسعود، ولا من أسامة بن زيد، ولا من علي بن أبي طالب - إنما رآه رؤية، ولا من معاذ بن جبل، ولا من زيد بن ثابت.

وفي "العلل الكبرى" لابن المديني: الشعبي لم يسمع من زيد بن ثابت حدث عن قبيصة عنه، ولم يلق أبا سعيد الخدري، ولم يلق أم سلمة" انتهى. "إكمال تهذيب الكمال" (7 / 130 - 131).

وقال ابن حجر متكلما عن حديث رواه الشعبي عن أم سلمة:

"وقال الحاكم بعد تخريجه في المستدرك من رواية عبد الرحمن بن مهدي: صحيح على شرطهما، فقد صح سماع الشعبي من أم سلمة ومن عائشة رضي الله عنهما= هكذا قال؛ وقد خالف ذلك في "علوم الحديث" له، فقال: لم يسمع الشعبي من عائشة.

وقال علي بن المديني في كتاب "العلل": لم يسمع الشعبي من أم سلمة.

وعلى هذا؛ فالحديث منقطع" انتهى. "نتائج الأفكار" (1 / 159).

وقد ورد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه:

رواه الطبراني في "الدعاء" (ص213)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ [أي مثل لفظ حديث أمّ سلمة].

لكن في إسناده أبو عمر، وهو مجهول الحال.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى:

"ورجال هذا الإسناد أيضا رجال الصحيح إلا أبا عمر، فإنه لا يعرف اسمه ولا حاله، وقيل: اسمه نَشِيط، ويقال له: الصيني ... نسبة إلى الصين الإقليم المشهور، وقد روى عنه جماعة، فهو مستور، وأخرج له النسائي حديثا غير هذا عن أبي الدرداء، ومنهم من أدخل بينه وبين أبي الدرداء، أم الدرداء، والله أعلم" انتهى. "نتائج الأفكار" (2 / 332).

وقال رحمه الله تعالى:

"أبو عمر الصيني ... وروايته عن أبي الدرداء مرسلة" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص660).

فالحاصل؛ أن الحديث ليس له إسناد صحيح.

وينظر للفائدة: "حاشية المسند"، ط الرسالة (44/140).

ومن أهل العلم من رأى حسنه بمجموع هذه الطرق.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقد وجدت للحديث شاهدا، من أجله قلت إنه حسن" انتهى. "نتائج الأفكار" (2 / 331).

وصححه الألباني، كما

ويؤيد ذلك: أن بعض أهل العلم يقوي أمر مراسيل الشعبي، ويحتج بها.

قال العجلي: "مرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحا". انتهى، من "الثقات" (2/446)، وينظر: "شرح علل الترمذي" لابن رجب (1/543).

ثانيا:

على القول بثبوت هذا الدعاء في أذكار ما بعد صلاة الفجر، فلم يرد ما ينص على الترتيب بين أذكار أعقاب الصلوات، فالأمر في هذا واسع.

قال أبو داود رحمه الله تعالى:

"قيل لأحمد، وأنا أسمع: إذا سلّم الرّجل، يعني: من صلاته، ما يقول؟ قال: يقول ما شاء" انتهى. "مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود" (ص112).

والظاهر أن المصلي عقب الصلاة يحسن به أن يشرع أوّلا بالذكر الوارد في حديث ثوبان، الذي عند الإمام مسلم (591): عن الْوَلِيد، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ - اسْمُهُ شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ -، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاِسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ).

فيقّدم هذا على سائر الأذكار الأخرى لتعلّقه بذات الصلاة، ومناسبته للتسليم من الصلاة، ولأنّ هذا الذي قد يفهم من رواية عائشة رضي الله عنها.

فروى الإمام مسلم (592): عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).

فجملة: (لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ)، لعلّ المراد بها الجلسة اليسيرة للإمام عقب السّلام متجها للقبلة، قبل أن ينصرف نحو المصلين ويأتي بسائر الأذكار.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وقد سأل أبو داود الإمام أحمد عن تفسير حديث عائشة، وهل المعنى: أنه يجلس في مقعده حتى ينحرف؟ قال: لا أدري.

فتوقف: هل المراد جلوسه مستقبل القبلة يسيرا؟

قال: وقال أبو يحيى الناقد: صليت خلف أبي عبد الله –يعني: أحمد -، فكان إذا سلم من الصلاة لبث هنية، ثم ينحرف. قال: فظننته يقول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم" انتهى. "فتح الباري" (7 / 436).

وسُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:

"هل يجب ترتيب الأذكار الواردة بعد الصلاة؟

فأجاب: حسب ما ورد، الأفضل أن يأتي بها حسب ما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه كان يبدأ أولا إذا سلم من الفريضة بالاستغفار ثلاثا يقول: (أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، كما ثبت ذلك من حديث ثوبان عند مسلم، وثبت بعضه عن عائشة عند مسلم أيضا أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقعد بعد السلام مقدار ما يقول: (اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) يعني ثم ينصرف إلى الناس ليعطيهم وجهه ... " انتهى. "فتاوى نور على الدرب" (9 / 60).

وأما رفع اليدين فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه للدعاء عقب الفريضة.

وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (1884)، ورقم (155350).

وخلاصة الجواب : 

أن هذا الحديث ورد من طرق لا تخلو من ضعف.

ومن أهل العلم من قوّاها بمجموعها.

ولم يرد نص على ترتيب أذكار الصلاة التي بعد السلام، والأمر في ذلك واسع، ولعل الأنسب تقديم الذكر الوارد في حديث ثوبان لمناسبته للتسليم، وليس من السنّة رفع اليدين في الذكر والدعاء عقب الفريضة.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب