الحمد لله.
أولاً:
لا يلزمك الإنفاق على زواج أختك أو تمويل حفلها؛ لأن نفقة القريب مشروطة بفقره وعجزه عن الكسب، فضلاً عن أن مظاهر الحفلات والمبالغة فيها ليست من النفقة الواجبة شرعاً، بل قد تدخل في الإسراف والتبذير.
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (8/169): " ويشترط لوجوب الإنفاق [يعني: على الأقارب] ثلاثة شروط : أحدها : أن يكونوا فقراء ، لا مال لهم ، ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم" .
انظر: إجابة رقم (321168).
ثانيًا:
إقراض المال عقد إرفاق وتطوع ، فهو مستحب وليس بواجب ؛ فلا يلزمك إقراضها ما دمت محتاجاً لمالك، ولا حرج عليك في الاعتذار لها.
ثالثًا:
يحق لك تقديم الادخار لزواجك؛ لأن إعفاف النفس من الحاجات الأصلية، والقاعدة الشرعية تقديم حاجة النفس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك (رواه مسلم برقم: 997).
رابعًا:
تجب النفقة على الوالد بالمعروف إن كان عاجزاً عن التكسب أو فقيراً لا مال له، بما يفضل عن كفايتك الأساسية.
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني (8/212):
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال، واجبة في مال الولد.
والإخوة الصغار: تجب نفقتهم على الأخ الموسر، عند عجز الأب وفقره في حدود الكفاية، لقوله تعالى: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ. وانظر: إجابة رقم (321168).
رابعاً: هل للوالد سلطة على قرار الزواج؟
إذا كان الابن محتاجاً للنكاح ويخشى العنت والفتنة، فلا تجب عليه طاعة والده في تأخير الزواج؛ ولا يعد ذلك عقوقاً ما دام يداريه ويبرّه بالإحسان والقول اللين.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (32/30):
ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وأنه إذا امتنع لا يكون عاقاً، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه، مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى.
وسئل - رحمه الله -:
عن رجل تحت حجر والده، وقد تزوج بغير إذن والده وشهد المعروفون أن والده مات وهو حي؛ فهل يصح العقد أم لا؟ وهل يجب على الولد إذا تزوج بغير إذن والده حق أم لا؟
فأجاب: إن كان سفيها محجورا عليه: لا يصح نكاحه بدون إذن أبيه ويفرق بينهما. وإذا فرق بينهما قبل الدخول فلا شيء عليه.
وإن كان رشيدا: صح نكاحه، وإن لم يأذن له أبوه.
وإذا تنازع الزوجان: هل نكح وهو رشيد، أو وهو سفيه: فالقول قول مدعي صحة النكاح» انتهى.
إلا أنه ينبغي التأمل في رغبات الوالدين ولماذا رغبوا في التأخير؟
ومجرد الدراسة ليست عائقا عن الزواج؛ لا سيما الدراسات العليا؛ مما يمكن تأخيرها قليلا، ثم يكملها وهو متزوج، كما هو مشاهد معروف.
وينبغي أن يقنع والده بحاجته، ويوسط بينهما كبيرا عاقلا يحترمه والده، ليقنعه، جبرًا لخاطره ففي ذلك بركة.
خامسًا:
هل للوالد سلطة على دخلك ومالك الخاص؟
البالغ الرشيد له استقلاله المالي التام.
وأما حديث: أنت ومالك لأبيك رواه ابن ماجه (2291)، وصححه الألباني= فليس على إطلاقه، بل هو مقيد بشروط شرعية.
قال ابن قدامة في المغني (5/ 395) في بيان شروط أخذ الأب من مال ابنه:
بشرطين: أحدهما: أن لا يجحف بالابن ولا يضر به، ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته. الثاني: أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر. وانظر: إجابة رقم (104298).
والحاصل:
أنه لا يجب عليك تمويل حفل زفاف أختك ولا إقراضها تكاليفه، خاصة مع كونها ذات دخل، ومع وجود نفقات زائدة عن الحاجة؛ فالقرض إحسان وتبرع وليس واجبًا.
ويجوز لك أن تقدم ادخارك للزواج على إقراضها، ولا سيما إذا كنت محتاجًا إلى الزواج وتخشى على نفسك الفتنة؛ فإن إعفاف النفس من الحاجات المعتبرة شرعًا.
أما والدك، فتجب عليك نفقته بالمعروف إذا كان فقيرًا عاجزًا عن الكسب، بحسب استطاعتك وما يفضل عن حاجاتك الأساسية. وأما إخوتك المحتاجون فنفقتهم تخضع لشروط نفقة الأقارب وتفصيلها الفقهي.
وليس لوالدك أن يلزمك بتأخير الزواج إذا كنت بالغًا رشيدًا محتاجًا إليه، وإن كان الواجب عليك بره والتلطف معه والسعي في إقناعه. كما أن مالك الذي اكتسبته ملك لك، وليس لأبيك التصرف فيه على وجه يضرك أو يأخذ ما تعلقت به حاجتك.
والله أعلم.