الحمد لله.
أولا:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصفرة والكدرة المتصلة بدم الحيض حيض، ما لم تتجاوز خمسة عشر يوما.
واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ (130) عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بِالدُّرْجة فيها الكُرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".
والدُّرْجة: هو وعاء صغير تضع المرأة فيه طيبها ومتاعها. وينظر: النهاية لابن الأثير (2/ 246).
والكرسف هو القطن.
والأثر صححه النووي في المجموع (2/ 389)، وسكت عليه الحافظ في الفتح (1/ 420) وفي التلخيص (1/ 301)، وعلقه البخاري عن عائشة جازماً به في كتاب الحيض باب (19) إقبال الحيض وإدباره، وصححه الألباني في إرواء الغليل (1/ 218).
وحسن إسناده الشيخ أبو عمر الدبيان في موسوعة أحكام الطهارة (6/ 294).
وروى الدارمي (891) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، فَلْتُمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ أَبْيَضَ كَالْقَصَّةِ، ثُمَّ تَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي.
وحسن إسناده محققه حسين سليم أسد، وحسنه الألباني في الإرواء (1/ 219).
ويمكن أن يستدل لهم بما يدل على أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض مطلقا، كما روى ابن أبي شيبة (1008) والدارمي (861) عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا في حجرها مع بنات ابنتها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تُنَكَّسُ بالصفرة اليسيرة، فتسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصاً.
وحسن إسناده الشيخ أبو عمر الدبيان في موسوعة أحكام الطهارة (6/ 287).
لكن يخصص هذا بقول أم عطية: كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا رواه أبو داود (307).
وليعلم أن الصفرة والكدرة لها أحوال:
1-ما كان في زمن العادة قبل نزول الدم.
2-ما كان بعد الدم وقبل الطهر.
3-ما كان في زمن العادة ولو يكن دم.
وكل ذلك حيض عند الجمهور، حتى إن منهم من حكى الإجماع في الصورة الأخيرة.
قال ابن رجب رحمه الله: "ودل قول عائشة رضي الله عنها هذا، على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض: حيض، وأن من لها أياما معتادة تحيض فيها، فرأت فيها صفرة أو كدرة: فإن ذلك يكون حيضاً معتبراً.
وهذا قول جمهور العلماء، حتى إن منهم من نقله إجماعا، منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه.
ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دون الكدرة.
ولكن ذهب طائفة قليلة، منهم: الأوزاعي، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وبعض الشافعية إلى أنه لا يكون ذلك حيضاً حتى يتقدمه في مدة العادة دم" انتهى من " فتح الباري " (2/ 125 - 126).
والقول بأن الصفرة أو الكدرة المتصلة بالدم حيض، قول ظاهر، وأثر عائشة رضي الله عنها حجة له، وقد اعتمده الجمهور، وعليه الفتوى، فلا يدخلنَّ قلبَك خوف أو شك من تضييع الصلاة.
وينظر: جواب السؤال رقم: (179069)
ثانيا:
بناء على ما سبق، فإذا لم تري الجفاف أو القصة، وجاءت الصفرة أو الكدرة أو الدم الخفيف، فإنه حيض، ما لم يتجاوز المجموع خمسة عشر يوما، فإن جاوزه فأنت مستحاضة، فتغتسلين وتصلين، ثم في الشهر التالي تجلسين قدر عادتك المنضبطة، ثم تغتسلين وتصلين، فإن لم يكن لك عادة منضبطة: عملت بالتمييز، وإلا جلست غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة أيام.
وينظر بيان أحوال المستحاضة في جواب السؤال رقم: (68818)
والله أعلم