الحمد لله.
أولا:
حمدا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، هو الذي بصَّرك بدين الحق، والذي أنعم عليك فأدخلك في أهل الإيمان بكتبه ورسله، الذين لا يفرقون بين أحد من رسله، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
النفس أمارة بالسوء، هذه طبيعتها.
وقد أراد رب العالمين بك خيرا - إن شاء الله - حين كتب تعالى في قلبك الإيمانَ، وثبَّت فيه حبَّ التوحيد، وأعانك على نفسك الأمارة بالسوء، وعلى الشياطين من الجن والإنس التي تحجزك عن الإسلام.
ولا شك أن يوم إسلامك كان يوم خزي للشيطان وجنده، ونصر للإيمان وأهله.
وهذا معنى نحب لك أن تتأمله وتردد نظرك فيه: أن الله تعالى يختار من بين الكثرة الغالبة من الكفار والمشركين؛ من يعينه على مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء، وعلى التخلص من أغلال تقليد الآباء والعشيرة، فيعينهم على أشد أنواع الجهاد للنفس والهوى والشيطان، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
والله تعالى حكَم عدْل، لا يظلم أحدا، فهو يوفق لذلك من يستحق، ومن تكون نفسه متهيأة لهذا الجهاد: أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ [الأنعام: 53].
يقول ابن تيمية: "فقوله [تعالى] في القرآن هُدًى لِلْمُتَّقِينَ هو من هذا. إنما يهتدي من يَقبل الاهتداء وهم المتقون لا كل أحد، وليس المراد أنهم كانوا متقين قبل اهتدائهم بل قد يكونون كفارا، لكن إنما يهتدي به من كان متقيا، فمن اتقى الله اهتدى بالقرآن"، "مجموع الفتاوي" لابن تيمية (16/ 588).
والله عز وجلَّ يمنُّ على الإنسان بأن يخلق فيه إرادة النجاة، والقدرة على مجاهدة النفس والعشيرة، والأهل، والأصحاب، والدنيا، ثم يوفقه إلى دين الحق.
فهؤلاء يجعل الله في قلوبهم: الحرص على معالي الأمور، وبغض السفاسف والفساد، والمجاهدة لتحصيل مصالحهم في الدنيا والآخرة، ولو كان ذلك كله يتضمن ترك العادات، والمألوف، ومقاومة سلطة الأهل، والأصحاب، والأحباب.
وهذه كلها أنواع من النعم، تستحق الشكر لله والحمد له، فالحمد لله رب العالمين.
ثانيًا:
وأما سؤالك عن الانعزال عن الناس؛ فنحن لا نطلب منك الانعزال، بل: لا نحبه لك!
وهذا شيءٌ عَسِرٌ صَعْب، ثم بعد ذلك ليس هو صوابًا؛ فإن الإنسان لا بدَّ له من أصحابٍ يسامرهم، وأهلٍ يعاشرهم، ومجتمعٍ يتفاعل معهم ويستأنس بهم؛ فالإنسان: "مدني بالطبع. وبيان هذا: أنه لا بد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه"، "الصداقة والصديق"، أبو حيان التوحيدي (ص 161).
فالانعزالُ التَّامُّ غيرُ ممكنٍ، ولا محمودٍ، في ميزانِ العقلِ والشَّرع.
لكن من قال إنك مضطر إلى هذا من الأصل؟
ومن ذا الذي قال إن حفظ العمر من الضياع، أو حفظ النفس أن تخالط أصدقاء سوء يفعلون الإثم (كما في السؤال)، أو من قال إن مجانبة البطَّالين المتفحِّشين الذين يعيشون أيامهم غافلين عن تحصيل منافعهم ومصالحهم؛ من قال: إن شيئا من ذلك مخصوص بأهل الإيمان ودين الحق من المسلمين؟
نريد أن نقول:
إن مكارم الأخلاق وحفظ المروءات لم تزل محمودةً عند جميع الأمم قبل الإسلام وبعده، وفي كل مكان.
ولم يزل العقلاء يتجنبون مجالس الريبة على المقاهي ونحوها، ويذمُّون الفساد وإضاعة العمر، ويحبون معالي الأمور ويحرصون عليها.
نحن لا نرى ما يلجئك إلى الانعزال، ولا نحبه لك.
لكننا نطلب منك أن تزايل أهل المعاصي والفواحش بأعمالك، وأن تكف عن مخالطة المنحرفين الذين يصدونك عن الخير، دون أن تعتزل المجتمع أو تقطع أسباب العشرة المعروفة.
كما قيل: "خالطوا الناس وزايلوهم، أي: خالطوهم بالمعاشرة والأخلاق، وزايلوهم بأعمالكم"، "الأمثال" لأبي عبيد، (ص 157).
ألست ترى أيها الأخ الكريم أن التنزه عن الفواحش، وحفظ الوقت، والبعد عن المقاهي ومجالس الخنى، وتجنب أخدان السوء: من أمور حسن الخلق التي لا تختص بأهل دين أو ملة؟
أليست هي من المروءات العامة ومكارم الأخلاق التي يشترك فيها العقلاء كافة على اختلاف أديانهم ونحلهم؟
فما كانت الفواحش يوما محمودة عند ذوي العقول، ولا كان السفه وإضاعة العمر زينا لأحد في قديم الزمان أو حديثه.
واعتبر بحكيم العرب في الجاهلية، زيد بن عمرو بن نفيل، الذي كان يقوم وسط قومه قبل المبعث – وهم أهل فواحش ومعايب - فينهى عن القبائح تنزُّهًا وطهارة.
كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: "يا معشر قريش إياكم والزنا، فإنه يورث الفقر". "البداية والنهاية" لابن كثير (3/ 325).
أيها الأخ الكريم:
ذكرت لنا أن أصدقاءك القدماء هؤلاء: من أهل المعاصي، وأنك تجنبتهم إلا نادرا، فلا يفوتنا أن ننبهك إلى (خطوات الشيطان)، الذي يزيِّن لك أن تذهب إلى مجالس منكراتهم لتحيتهم فقط، دون أن تجالسهم.
هذا لا ينفعك بشيء، فلا أنت جالستهم وأنست بهم، ولا أنت تجنبتهم وهجرت منكراتهم. وما هي إلا خطوة من خطوات الشيطان، يريد أن يزين لك حياة سابقة أنت اخترت بنفسك أن تهجرها وتوليها ظهرك، بل: تهجر دين الباطل كله، وهو أشد من هذا على النفس وأعسر.
وما زال الشيطان بك، شيئا فشيئا، يجتهد أن يصدك عن السبيل ويحجزك عن تجويد حياتك الدنيا وعملك للآخرة.
أخانا الكريم:
لن يلومك أحد من أهلك أو مجتمعك، ولن يتطرق الشك إلى سرِّك وإسلامك لله رب العالمين، إذا أنت نبذْتَ مجالسة أهل المنكر، وتركت ارتياد المقاهي ومواطن اللهو؛ فإن عقلاء الناس سيرون في ذلك ارتقاء في المروءة، وحسن سمت، ورجاحة في العقل، وعزيمة على صيانة النفس.
فما عليك ها هنا إلا أن تبذل جهدك في تغيير نمط حياتك، وتبديل بيئتك القريبة، وقد فعلت أنت ما هو أجلُّ من ذلك، وأشدُّ على النفس منه؛ فبدَّلت دين الباطل كله، برحمة الله وتوفيقه!
فما عليك الآن إلا أن تكمل مسيرة الجهاد لإصلاح نفسك، وإعدادها لمعترك الدنيا، وسؤال الآخرة، فهذه معركة كل مسلم ضد هواه ونفسه الأمارة بالسوء، والشياطين من الإنس والجن.
اجعل ميادين الخير والعمل واللهو المباح بدل مجالس البطالة ومخالطة أصدقاء سوء يفعلون الآثام (كما في السؤال)، اشترك في المكتبات العامة إن وجدت، واحرص على القراءة وتحصيل العلم ولو من الكتب الالكترونية، أو تعلم حرفة يدوية إن شئت، أو مارس هواية مباحة، انشغل برياضة تحبها، ابحث لنفسك عن عمل إن كان وقتك يسمح، أو وظيفة تعز بها نفسك؛ فإن في الشغل الصالح صيانة للجوارح، وعمارة للأوقات.
ولا شك عندنا أنك في ذلك أو نحوه من الانشغال بالطيب المباح: لا بد أن تجد أصدقاء آخرين من الأخيار، سيجمعك بهم الجد والكسب الطيب واللهو المباح، يعلون بك، ويزينونك ولا يشينونك؛ إذ المرء يوزن ببيئته وجلسائه.
فهؤلاء هم الذين يناسبون حرصك على الحق، وقدرتك على مجاهدة نفسك، لا أولئك الذين تتخبط بهم الدنيا، الذين لم يكونوا لائقين لصداقتك سابقا، لأنهم أهل آثام ومنكرات وتضييع أوقات، وهذا أمر ينكره كل دين، ولا يليق بذي مروءة.
وإن ضاقت بك مجالس قريتك، فقد جعل الله لك عبر (الإنترنت) نافذة واسعة على مجتمعات صالحة. التحق ببعض برامج البناء العلمي أو المقارئ عن بُعد، أو تَعَلَّم مهارة نافعة. إن هذه المجتمعات الافتراضية ستكسر قيد وحدتك، وتُذهب عنك هذا التعب، بل لعلك أن تلتقي فيها بإخوة لك من شتى بقاع الأرض، يكابدون غربة كغربتك، أو أشد منها، فتجمعكم معاني الإيمان، وتأنسون ببعضكم في طريق الحق.
"إن العاقل لا يسعى إلا في ثلاث: مزية لمعاش، أو منفعة لمعاد، أو لذة في غير محرم"، "العقد الفريد"، (2/ 115).
وصدق الناصح إذ يقول:
"اعلم أنك موسوم بسيما من قارَنْت، ومنسوب إليك أفاعيل من صاحَبْت. فتحرَّز من دخلاء السوء، ومجالسة أهل الريب، وقد جرت لك في ذلك الأمثال، وسطرت لك فيه الأقاويل، فقالوا: (المرء حيث يجعل نفسه)، وقالوا: (يظن بالمرء ما ظن بقرينه)، وقالوا: (المرء بشكله، والمرء بأليفه).
ولن تقدر على التحرز من جماعة الناس، ولكن أقِلَّ المؤانسةَ إلا بأهل البراءة من كل دنس. واعلم أن المرء بقدر ما يسبق إليه يُعرَف، وبالمستفيض من أفعاله يوصف، وإن كان بين ذلك كثير من أفعاله، ألغاه الناس وحكموا عليه بالغالب من أمره.
فاجهد أن يكون أغلبُ الأشياء على أفاعيلك، كل ما تحمده العوام، ولا تذمه الجماعات، فإن ذلك يُعَفَِي على كل خلل؛ إن كان". "الرسائل السياسية"، للجاحظ (ص 87).
فتقوَّ بالله تعالى أيها الأخ الكريم، واستعن به في كل شأنك، واطرح عنك بقايا نمط الحياة القديمة، التي لست مضطرا إليها قط، وابدأ صفحة جديدة عمادها الجد، وحفظ الوقت، وصيانة المروءة، مع بقاء سرك مستورا في حفظ الله ورعايته، حتى يجعل الله لك من أمرك فرجا ومخرجا.
مستعينا بالله في تصرفاتك كلها، عالما أنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، سبحانه، دون أن تعتزل المجتمع أو تقطع أسباب العشرة المعروفة.
وتذكر وصية نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، رواه مسلم (2664).
والله أعلم.