الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1448 - 3 نوفمبر 2026
العربية

لماذا نقرأ القرآن بالهمز مع أن قريشًا لا تهمز؟

432992

تاريخ النشر : 02-11-2026

المشاهدات : 3

السؤال

المفروض أن القرآن الآن على لغة قريش، وأعلم أن قريشا لا تهمز في لغتها، فلماذا
نهمز في القرآن؟

الجواب

الحمد لله.

أولًا :

وقع اختلاف بين العلماء في مسألة نزول القرآن بغير لغة أهل الحجاز من قبائل العرب على أربعة أقوال :

1- أن القرآن نزل بلغة الكعبين: كعب بن لؤي جد قريش ، وكعب بن عمرو جد خزاعة .

2- أن القرآن نزل منه خمس لغات من لغات عُليا هوازن .

3- أن القرآن نزل بكل لغات العرب .

4- أن القرآن نزل بلغة قريش في الأغلب ، ولا يمنع من وجود غيرها .

انظر هذه الأقوال :

" علوم القرآن بين البرهان والإتقان" (226 - 230)، " فتح الباري" (9/ 21).

والرأي الأخير هو الأرجح ، والله أعلم .

قال " ابن عبد البر " : " قولُ من قال: إنَّ القرآنَ نزَل بلغةِ قُريشٍ= معناه عندي : في الأغلب ، واللّهُ أعلمُ ؛ لأنَّ غيرَ ‌لغةِ ‌قريشٍ موجودةٌ في صحيح القراءات ، من تحقيقِ الهمزَاتِ ونحوِها ، وقريشٌ لا تهمزُ "، انتهى .

" التمهيد" (5/ 590) ، وانظر: " التفسير اللغوي للقرآن الكريم " (77 - 78).

فقد بيَّن ابن عبد البر أن تحقيق الهمز من الظواهر اللغوية التي وردت بها القراءات الصحيحة، وإن كانت قريش تميل إلى تخفيفه.

يقول الشيخ محمد الخضر حسين: " وأفصح لغات العرب لغة قريش، وفضلت عن سائر اللغات بوجهين:

أحدهما: بعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ولهذا لم يحتجَّ أهل الصناعة العربية إلا بلسانهم ، أو ما كان قريباً منه ، ولم يعتمدوا لغات القبائل التي تجاور غيرها من الأمم ؛ كلغة لخم وجذام وقضاعة وغسان ، ولم يخالفهم في شرطهم هذا إلا أبو عبد الله ابن مالك ، فنقل في كتبه لغة لخم وقضاعة وغيرهم ممن يسكن أطراف الحجاز .

ثانيهما: أن العرب كانوا يفدون عليهم في موسم الحج ، ويقيمون عندهم قريباً من خمسين يوماً ، فيتخيرون من لغات أولئك الوفود ما تعادلت حروفه ، وخف وقعه على الأسماع ، ويرفضون كل ما يثقل على الذوق ، ولا يجد في السمع مساغاً."، انتهى من "موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين" (6/ 1/ 132 - 133).

وانظر للتوسع: " لغة قريش " د. مختار الغوث : (275)، وما بعدها ، (343 - 346)، " لغة القرآن " د. عبد الجليل عبد الرحيم : (42 - 110).

فالحاصل:

أنه لا يلزم من كون القرآن نزل بلغة قريش في الأغلب: أن تكون جميع ألفاظه، ووجوه أدائه: على خصائص لغتها وحدها؛ ثم لا يلزم من ذلك أن تكون جميع القراءات المتواترة الثابتة: إنما تقرأ على لغة قريش وحدها، وعلى خصائصها الصوتية، وطريقتها في الأداء.

بل غاية ما يلزم هنا، إن قلنا: إن القرآن نزل بلغة قريش وحدها: أن يكون في القراءات المتواترة: ما يجري على طريقة قريش في الهمزات، وهذا حاصل في الجملة، كما يعلم من كتب "القراءات"، ويسمع الناس من القراء به؛ فليس كلهم يقرأ بتحقيق الهمزة، كما فهم السائل.

وقد بيَّن ابن الجزري رحمه الله تعالى أن تخفيف الهمز من الظواهر المعروفة في العربية، وأن القراءات قد وردت به، فقال:

"والقصد أن تخفيف الهمز ليس بمنكر ولا غريب، فما أحد من القراء إلا وقد ورد عنه تخفيف الهمز، إما عمومًا وإما خصوصًا".

ثم قال:

"وكل ذلك أو غالبه وردت به القراءة، وصحت به الرواية، إذ من المحال أن يصح في القراءة ما لا يسوغ في العربية، بل قد يسوغ في العربية ما لا يصح في القراءة؛ لأن القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول" انتهى من "النشر في القراءات العشر"، باب الوقف على الهمز.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم 215540 ورقم 467537

ثانيًا:

القراءة سنة متبعة، فلا يجوز لأحد أن يقرأ إلا ما تعلمه الآخر عن الأول، لأن القراءة سنة متبعة .

قال أبو عبيد: "وإنما نرى القراء عرضوا القراءة على أهل المعرفة بها ، ثم تمسكوا بما علموا منها؛ مخافة أن يَزيغوا عما بين اللوحين بزيادة أو نقصان .

ولذا تركوا سائر القراءات التي تخالف الكتاب، ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربية فيها ، إذا خالف ذلك خط المصحف، وإن كانت العربية فيه أظهر بيانا من الخط، ورأوا تتبع حروف المصاحف، وحفظها ؛ كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها". انتهى من "فضائل القرآن" (361).

وفي تأويل قوله تعالى: (نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) القمر/35، يقول أبو إسحاق الزجاج، رحمه الله:

"منصوب مفعول له. المعنى نجيناهم للِإنعام عليهم.

ولو قرئت: " نعمةٌ مِنْ عِنْدَنَا " كان وجهاً، ويكون المعنى: تلك نِعمَةٌ مِنْ عِندِنا، وَإِنْجَاؤنَا إِياهُمْ نعمة من عندنا.

قال أبو إسحاقَ [=الزجاج]: ولكني لا أعلم أحداً قرأ بها، فلا تقرأنَّ بها إلَّا أن تثبت رواية صحيحة.

قال مشايخنا من أهل العلم: القراءة سُنَّةٌ متَّبُعَة، ولا يرون أن يقرأْ أحد بما يجوز في العربية إِذَا لَمْ تَثْبُتْ رِوَايةٌ صحيحة."، انتهى، من "معاني القرآن" للزجاج (5/90).

وهذا المعنى كثير فاش، متفق عليه بين أهل العلم.

وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم (285598).

ثالثًا :

مما ينبغي أن يعلم: أن " الأصل في القرآن الاعتماد على المسموع، المحفوظ في الصدور، لا المرسوم ، فالقراءة لِمَا سُمِع أصل، والرسم تبعٌ ، ومن المعلوم أنه لا يمكن التطابق التامُّ بين نطق بعض الكلمات ورسمها في جميع لغات العالم ، بل يدخل فيها الزيادة والنقص وغيره مما يدخل في علم الإملاء.

لذا؛ فإن خلوَّ رسم مصاحف الصحابة من النقط والشكل وغيرها لم يكن مشكلًا عندهم ؛ لأنهم يحفظون القرآن في صدورهم ، ولا يعتمدون على الرسم أوَّلًا ، وإنما جاء الرسم لضبط صورة الكلام ، لا للانطلاق منه إلى القراءة "، انتهى من "المحرر في علوم القرآن" (225 - 226).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (403914).

والحاصل:

أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش في الأغلب، ولم يقتصر عليها، بل اشتمل على لغات وخصائص لغوية لقبائل عربية أخرى، ومنها تحقيق الهمز، وإن كانت قريش تميل إلى تخفيفه؛ فالقراءة بالوجهين: التحقيق، والتخفيف: ثابت معروف عند القراء، وطريقة قريش في الهمز: ليست متروكة بالكلية عندهم.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب