الاثنين 29 ربيع الآخر 1448 - 12 اكتوبر 2026
العربية

قصة خلع ثابت بن قيس هل بسبب ضربه لامرأته، أم لدمامته؟

427777

تاريخ النشر : 12-10-2026

المشاهدات : 3

السؤال

في حديث: " أنَّ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شمَّاسٍ ضربَ امرأتَهُ فَكَسرَ يدَها ، وَهيَ جميلةُ بنتُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبيٍّ ، فأتى أخوها يشتَكيهِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، فأرسلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلى ثابتٍ فقالَ لَهُ : (خُذِ الَّذي لَها علَيكَ وخلِّ سبيلَها)، قالَ : نعَم ، فأمرَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أن تتربَّصَ حَيضةً واحدَةً ، فتَلحقَ بأَهْلِها"، لماذا طلب الرسول أن يأخذ ثابت بن قيس المهر مع أن زوجته طلبت الخلع بسبب الضرب وكسر يدها، يعني السبب منه، وليس منها، أليس من حقها طلب الطلاق، والاحتفاظ بالمهر؟ وكيف نوفق بين هذا الحديث والنهي عن عضل الزوجة؟

ملخص الجواب

قصة طلب زوجة ثابت بن قيس الخلع، كان بسبب عدم طاقتها له ونفورها منها، وليس بسبب الضرب وحده.

فليس هذا من باب العضل المنهي عنه؛ لأن ثابت بن قيس لم يكن راغبا في مفارقتها ولا قاصدا التضييق عليها.

الجواب

الحمد لله.

أولا:

روى النسائي (3497): عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ: (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ‌ضَرَبَ ‌امْرَأَتَهُ ‌فَكَسَرَ ‌يَدَهَا، وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ: خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ وَخَلِّ سَبِيلَهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا).

هذا الحديث لا يفهم على وجهه الصحيح حتى يضم إلى الروايات الأخرى عن هذه الحادثة، فسيفهم منها أن طلب امرأة ثابت رضي الله عنهما الخلع ليس بسبب الضرب، فلو كان هو الضرب وحده، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا بالكف عن ضربها ولأصلح بينهما، وإنما سبب الخلع منها، وقد بيّنته بنفسها، وهو أنها كانت تبغضه بغضا شديدا قبل ضربها، وكانت حريصة على مفارقته.

روى البخاري (5273): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ امْرَأَةَ ‌ثَابِتِ ‌بْنِ ‌قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌ثَابِتُ بْنُ ‌قَيْسٍ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِيْنٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالَتْ: نَعَمْ. قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً).

وروى (5274) - حدَّثنا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: (أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ. بِهَذَا، وَقَالَ: تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْهَا، وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا).

ورواه ابن ماجه (2056): عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ ‌جَمِيلَةَ ‌بِنْتَ ‌سَلُولَ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلَا يَزْدَادَ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"(وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ)، كذا فيه لم يذكر مميز عدم الطاقة، وبينه الإسماعيلي في روايته ثم البيهقي بلفظ (لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا)، وهذا ظاهره أنه لم يصنع بها شيئا يقتضي الشكوى منه بسببه، لكن تقدم من رواية النسائي أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيئ الخلق، لكنها ما تعيبه بذلك بل بشيء آخر...

بل وقع التصريح بسبب آخر، وهو أنه كان دميم الخلقة … وثابت رجل دميم وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فضيل، عن أبي جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس:( ‌أَوَّل ‌خُلْعٍ ‌كَانَ ‌فِي ‌الإِسْلامِ امرأة ثَابِتِ ‌بْنِ ‌قَيْسٍ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأس ثَابِت أبدا، إنِّي رَفَعتُ جانبَ الخباءِ، فرأيتُهُ أَقبَلَ في عِدَّة، فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقبحُهم وجهًا. فقال: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وإِنْ شَاءَ زِدتُّهُ. ففرق بينهما).

قوله: (وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ) أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر ... وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه.

ويحتمل أن تريد بالكفر: كفران العشير، إذ هو تقصير المرأة في حق الزوج" انتهى. "فتح الباري" (9 / 400).

ثانيا:

وأما العضل لأجل أخذ مال الزوجة فقد نهى عنه القرآن الكريم.

قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء (19).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

"وقوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ أي: لا ‌تضَارّوهن ‌في ‌العشرة، ‌لتترك لك ما أصدقتها، أو بعضه، أو حقّا من حقوقها عليك، أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ: يقول: ولا تقهروهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ يعني: الرجل، تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها، لتفتدي. وكذا قال الضحاك وقتادة، واختاره ابن جرير" انتهى. "تفسير ابن كثير" (3 / 43).

فالعضل هو أن يتعمد الزوج التضييق على زوجته، وسوء العشرة معها، حتى تهرب منه بالخلع.

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (30 / 144):

"متى يعتبر العضل؟

ذكر الفقهاء العضل في موضعين:

أحدهما: عضل الزوج زوجته، وذلك يتحقق بمضارتها وسوء عشرتها قاصدا أن تفتدي منه بما أعطاها من مهر، وما يأخذه منها في هذه الحالة لا يستحقه؛ لأنه عوض أكرهت على بذله بغير حق، فلم يستحقه ... " انتهى.

وفي خلع ثابت بن قيس، لم يكن هو الراغب في المفارقة، بل زوجته هي التي كانت متطلعة للمفارقة لشدة بغضها له، فالحديث لا يخالف الآية كما بيّن أهل العلم.

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى:

"ذكر ما يجوز من الخلع وما لا يجوز: قال الله - جل من قائل -: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ إلى فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

قال أبو بكر: فظاهر كتاب الله يُستغنى به عن كل قول، وقد حرم الله عز وجل على الزوج في هذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما آتاها، إلا بعد الخوف الذي ذكره، ثم أكد تحريمه ذلك بتغليظه الوعيد على من تعدى وخالف أمره فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

وثبت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خالع بين رجل وامرأته على مثل معنى كتاب الله.

حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ ‌جَمِيلَةَ ‌بِنْتَ ‌سَلُولَ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يا رسول الله، مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ خلقا ولا دينا، ولكني لا أستطيعه وأَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، قال: تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قال: فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا ما ساق إليها لَا يَزْدَادَ).

وبمثل معنى آيات الله، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عوام أهل العلم. وحظروا على الزوج أخذ شيء من مالها إلا أن يكون النشوز من قبلها" انتهى، من "الأوسط" (9 / 316 – 317).

ولمزيد الفائدة تحسن مطالعة جواب السؤال رقم (146100).

وخلاصة الجواب:

أن قصة طلب زوجة ثابت بن قيس الخلع، كان بسبب عدم طاقتها له ونفورها منها، وليس بسبب الضرب وحده.

فليس هذا من باب العضل المنهي عنه؛ لأن ثابت بن قيس لم يكن راغبا في مفارقتها ولا قاصدا التضييق عليها.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب