الأحد 6 جمادى الأولى 1448 - 18 اكتوبر 2026
العربية

سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر بقطع النظر عن اعتقاد قائله

393971

تاريخ النشر : 18-10-2026

المشاهدات : 4

السؤال

ما معنى ذاهلًا عن إعتقاده في قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده"؟

ملخص الجواب

 من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالما بسبه، أو بكون كلامه الذي قاله داخل في السب، أو الإهانة، أو التنقص لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو كافر بمجرد ذلك ، ولا يحتاج إلى نظر في أمره : إن كان يرى أن السب محرم، أو يستحل سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذاهل عن ذلك كله، غير مبال به.

الجواب

الحمد لله.

أولا :

الذهول هو ترك الشيء على عمد ، أو غفلةً عنه ، أو لشاغل يشغل عنه . ينظر لسان العرب (3/1523، 1524).

قال الله تعالى : (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) الحج/2.

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :

"الذهول : الذهاب عن الأمر مع دهشة ، ومنه قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه :

ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليلَ عن خليله

وقال قطرب : ذهل عن الأمر : اشتغل عنه . وقيل : ذهل عن الأمر : غفل عنه لطروء شاغل، من هم أو مرض ، أو نحو ذلك ، والمعنى واحد ، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا" انتهى من "أضواء البيان" (4/ 323) .

ثانيا :

هذا الكلام قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يقرر أن سب النبي صلى الله عليه وسلم بمجرده كفر ، بقطع  النظر عن قصد صاحبه ونيته ، أو اعتقاده .

فمجرد السب كفر ، حتى لو قال الساب : إنه مؤمن ويحب النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه ، فإن ذلك لا ينفعه شيئا ، لأنه يكفر بمجرد السب .

وهذا بخلاف ما قاله بعض الناس : إن السب في ذاته ليس كفرا ، وإنما يكفر إذا استحله .

فنص شيخ الإسلام في كلامه هذا على أن  الساب يكفر ، وذكر له ثلاث حالات :

إما أن يكون مستحلا ، أي يرى أن السب حلال.

وإما أن يرى أن السب حرام ، ولكنه يفعله .

وإما أن يكون ذاهلا عن الاعتقاد ، أي : لم يُبالِ، وقت السب: أن يكون حراما، وهو يفعله، أو يستحل ذلك؛ فلا يقيم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم حرمةً تمنعه من ذلك.

وسوَّى بين هذه الحالات الثلاث ، وحكم بكفر صاحبها ، ونقل إجماع العلماء على ذلك .

وها هو كلام شيخ الإسلام ونقله الإجماع على أن السب بمجرده كفر ، وأن من خالف في هذا فإنه لا يعتد بقوله ، بعد أن حكى الأئمةُ الكبار الإجماع على ذلك . قال رحمه الله :

"إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا ، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلا له ، أو كان ذاهلا عن اعتقاده . هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل .

وقد قام الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية ـ وهو أحد الأئمة ، يعدل بالشافعي وأحمد : "وقد أجمع المسلمون أن من سب نبيا من أنبياء الله ، أو سب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، أو دفع شيئا مما أنزل الله ، أو قتل نبيا من أنبياء الله : أنه كافرا بذلك، وإن كان مقرا بما أنزل الله" .

وكذلك قال محمد بن سحنون وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك وزمنه قريب من هذه الطبقة : "أجمع العلماء أن شاتم النبي عليه الصلاة والسلام المنتقص له: كافر ، والوعيد جار عليه بعذاب الله ، وحكمه عند الأمة القتل ، ومن شك في كفره وعذابه كفر" .

وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة . قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل : يا ابن كذا و كذا ـ أعنى أنت ومن خلقك ـ : هذا مرتد عن الإسلام ، تضرب عنقه .

وقال في رواية عبد الله وأبي طالب : "من شتم النبي عليه الصلاة والسلام قتل ، وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام ، ولا يشتم مسلم النبي عليه الصلاة والسلام".

فبين أن هذا مرتد ، وأن المسلم لا يتصور أن يشتم وهو مسلم .

وكذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، أنه قال : هو كافر، واستدل بقول الله تعالى : قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [ التوبة/65، 66.

وكذلك قال أصحابنا وغيرهم : من سب الله كفر ، سواء كان مازحا أو جادا، لهذه الآية . وهذا هو الصواب المقطوع به" انتهى من "الصارم المسلول" (ص 429).

ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله عن القاضي أبي يعلى أنه نقل عن الفقهاء : أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم إن كان مستحلا كفر ، وإن لم يكن مستحلا فسق ... وأن القاضي اختار ذلك .

ثم قال شيخ الإسلام :

"وهذا موضع لابد من تحريره . ويجب أن يُعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب: زلة منكرة ، وهفوة عظيمة ، ويرحم الله القاضي أبا يعلى ، قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا ، وإنما وقع مَن وقع في هذه المهواة، بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى، في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب ، وإن لم يقترن به قول اللسان ، ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح ..ـ

وقد ذكر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمنا حتى يصدق بلسانه مع القدرة ، وبقلبه ، وأن الإيمان قول وعمل ، كما هو مذهب الأئمة كلهم : مالك وسفيان والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ومن قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة .

وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في الأصل ، وإنما الغرض التنبيه على ما يختص هذه المسألة وذلك من وجوه :

أحدها : أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه [إن] كان مستحلا كفر ، وإلا فلا ؛ ليس لها أصل ، وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء ، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا على أصولهم ، أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعد قوله قولا.

وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء ، وحكاية إجماعهم عمن هو من أعلم الناس بمذاهبهم؛ فلا يظنَّ ظان أن في المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، وإنما ذلك غلط ، لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة ... "

ثم ذكر رحمه الله ثلاثة أوجه أخرى في الرد على من زعم أن السب بمجرده ليس كفرا ، وإنما يكفر إذا استحله. انظر: "الصارم المسلول" (ص 431-433).

ثالثا :

بين شيخ الإسلام رحمه الله أن منشأ الضلال في هذه المسألة هو مذهب المرجئة الذي قالوا : الإيمان هو التصديق ، وقالوا : إن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لا ينافي سبه وإهانته !

وبين رحمه الله أن الكفر لا ينحصر في التكذيب ، بل الكفر يكون بالتكذيب والاستكبار ويكون بالقول وبالفعل .

وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة ، وكلامهم في هذا كثير جدا ، حكموا فيه بالكفر على أشخاص لمجرد أقولا قالوها ، أو أعمال عملوها ، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة .

ونقل عن الأئمة الكبار أنهم حكموا بكفر من سب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يُعلِّقوا ذلك على اعتقاده ، كالإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد وأصحاب الشافعي .

ينظر : "الصارم المسلول" (ص 433) .

والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب