الحمد لله.
أولا :
الذهول هو ترك الشيء على عمد ، أو غفلةً عنه ، أو لشاغل يشغل عنه . ينظر لسان العرب (3/1523، 1524).
قال الله تعالى : (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) الحج/2.
قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :
"الذهول : الذهاب عن الأمر مع دهشة ، ومنه قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه :
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليلَ عن خليله
وقال قطرب : ذهل عن الأمر : اشتغل عنه . وقيل : ذهل عن الأمر : غفل عنه لطروء شاغل، من هم أو مرض ، أو نحو ذلك ، والمعنى واحد ، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا" انتهى من "أضواء البيان" (4/ 323) .
ثانيا :
هذا الكلام قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يقرر أن سب النبي صلى الله عليه وسلم بمجرده كفر ، بقطع النظر عن قصد صاحبه ونيته ، أو اعتقاده .
فمجرد السب كفر ، حتى لو قال الساب : إنه مؤمن ويحب النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه ، فإن ذلك لا ينفعه شيئا ، لأنه يكفر بمجرد السب .
وهذا بخلاف ما قاله بعض الناس : إن السب في ذاته ليس كفرا ، وإنما يكفر إذا استحله .
فنص شيخ الإسلام في كلامه هذا على أن الساب يكفر ، وذكر له ثلاث حالات :
إما أن يكون مستحلا ، أي يرى أن السب حلال.
وإما أن يرى أن السب حرام ، ولكنه يفعله .
وإما أن يكون ذاهلا عن الاعتقاد ، أي : لم يُبالِ، وقت السب: أن يكون حراما، وهو يفعله، أو يستحل ذلك؛ فلا يقيم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم حرمةً تمنعه من ذلك.
وسوَّى بين هذه الحالات الثلاث ، وحكم بكفر صاحبها ، ونقل إجماع العلماء على ذلك .
وها هو كلام شيخ الإسلام ونقله الإجماع على أن السب بمجرده كفر ، وأن من خالف في هذا فإنه لا يعتد بقوله ، بعد أن حكى الأئمةُ الكبار الإجماع على ذلك . قال رحمه الله :
"إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا ، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلا له ، أو كان ذاهلا عن اعتقاده . هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل .
وقد قام الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية ـ وهو أحد الأئمة ، يعدل بالشافعي وأحمد : "وقد أجمع المسلمون أن من سب نبيا من أنبياء الله ، أو سب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، أو دفع شيئا مما أنزل الله ، أو قتل نبيا من أنبياء الله : أنه كافرا بذلك، وإن كان مقرا بما أنزل الله" .
وكذلك قال محمد بن سحنون وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك وزمنه قريب من هذه الطبقة : "أجمع العلماء أن شاتم النبي عليه الصلاة والسلام المنتقص له: كافر ، والوعيد جار عليه بعذاب الله ، وحكمه عند الأمة القتل ، ومن شك في كفره وعذابه كفر" .
وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة . قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل : يا ابن كذا و كذا ـ أعنى أنت ومن خلقك ـ : هذا مرتد عن الإسلام ، تضرب عنقه .
وقال في رواية عبد الله وأبي طالب : "من شتم النبي عليه الصلاة والسلام قتل ، وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام ، ولا يشتم مسلم النبي عليه الصلاة والسلام".
فبين أن هذا مرتد ، وأن المسلم لا يتصور أن يشتم وهو مسلم .
وكذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، أنه قال : هو كافر، واستدل بقول الله تعالى : قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [ التوبة/65، 66.
وكذلك قال أصحابنا وغيرهم : من سب الله كفر ، سواء كان مازحا أو جادا، لهذه الآية . وهذا هو الصواب المقطوع به" انتهى من "الصارم المسلول" (ص 429).
ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله عن القاضي أبي يعلى أنه نقل عن الفقهاء : أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم إن كان مستحلا كفر ، وإن لم يكن مستحلا فسق ... وأن القاضي اختار ذلك .
ثم قال شيخ الإسلام :
"وهذا موضع لابد من تحريره . ويجب أن يُعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب: زلة منكرة ، وهفوة عظيمة ، ويرحم الله القاضي أبا يعلى ، قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا ، وإنما وقع مَن وقع في هذه المهواة، بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى، في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب ، وإن لم يقترن به قول اللسان ، ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح ..ـ
وقد ذكر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمنا حتى يصدق بلسانه مع القدرة ، وبقلبه ، وأن الإيمان قول وعمل ، كما هو مذهب الأئمة كلهم : مالك وسفيان والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ومن قبلهم وبعدهم من أعيان الأمة .
وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في الأصل ، وإنما الغرض التنبيه على ما يختص هذه المسألة وذلك من وجوه :
أحدها : أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه [إن] كان مستحلا كفر ، وإلا فلا ؛ ليس لها أصل ، وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء ، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا على أصولهم ، أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعد قوله قولا.
وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء ، وحكاية إجماعهم عمن هو من أعلم الناس بمذاهبهم؛ فلا يظنَّ ظان أن في المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، وإنما ذلك غلط ، لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة ... "
ثم ذكر رحمه الله ثلاثة أوجه أخرى في الرد على من زعم أن السب بمجرده ليس كفرا ، وإنما يكفر إذا استحله. انظر: "الصارم المسلول" (ص 431-433).
ثالثا :
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن منشأ الضلال في هذه المسألة هو مذهب المرجئة الذي قالوا : الإيمان هو التصديق ، وقالوا : إن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لا ينافي سبه وإهانته !
وبين رحمه الله أن الكفر لا ينحصر في التكذيب ، بل الكفر يكون بالتكذيب والاستكبار ويكون بالقول وبالفعل .
وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة ، وكلامهم في هذا كثير جدا ، حكموا فيه بالكفر على أشخاص لمجرد أقولا قالوها ، أو أعمال عملوها ، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة .
ونقل عن الأئمة الكبار أنهم حكموا بكفر من سب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يُعلِّقوا ذلك على اعتقاده ، كالإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد وأصحاب الشافعي .
ينظر : "الصارم المسلول" (ص 433) .
والله أعلم .