والدتي تدعو لي بعد قيامي بأي عمل أقوم به اتجاهها، وأرجو من الله تعالى أن يكون براً بها.
السؤال:
ما هو الأفضل لي مثوبة عند الله تعالى أن أعمله بعد دعائها أن أقول آمين، أو أدعو لها مع أن تكون النية أرغب بما عند الله تعالى؟
الأفضل أن يجمع الولد بين التأمين على دعاء أمه والدعاء لها؛ فالتأمين دعاء بالاستجابة، والدعاء للأم من أعظم البر بها، ولا تعارض بينهما. كما أن فرحه بدعائها له لا ينافي الإخلاص لله تعالى، ولا ينقص أجر بره بها.
الحمد لله.
أولًا:
كلمة آمين دعاء وليست مجرد موافقة.
قال الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا يونس/89.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/146):
"فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمَّن، فنُزِّل منزلة من دعا، لقوله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا يونس/89، فدل ذلك على أن من أمّن على دعاء، فكأنما قاله؛ فلهذا قال من قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها" انتهى.
ثانيًا:
الأفضل هو الجمع بين الأمرين معاً: التأمين على دعائها، ثم الدعاء لها بالمثل والزيادة؛ إذ لا تعارض بينهما، وفي الجمع بينهما تحقيقٌ لفضائل متعددة:
1- اغتنام الدعوة المستجابة: دعاء الأم لولدها من أرجى الأدعية قبولاً عند الله تعالى، عن أبي هريرة أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلم - قال: ثلاثُ دَعَواتٍ مُستجاباتٌ لا شَكَّ فيهنَّ: دعوةُ الوالدِ، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ المظلوم. رواه أحمد (14/243)، وأبو داود (1536)، والترمذي (1905)، وابن ماجه (3862) وحسنه الألباني.
ومعنى آمين: اللهم استجب، فالتأمين هو طلب لتحقيق هذا الخير والبركة التي دعت بها أمك.
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله :
"وَمَعْنَى آمِينَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا" انتهى من "التمهيد" (7/9-10).
ينظر: إجابة رقم (213098).
2- إدخال السرور على قلبها: بإظهار الفرح بدعائها والتأمين عليه يشعرها بالرضا ويُبهج خاطرها، وإدخال السرور على قلب الأم من آكد صور البر والصلة.
3- الدعاء لها من البر والمكافأة:
- قال صلى الله عليه وسلم: مَن صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ رواه أبو داود (1672)، والنسائي (2567)، وصححه الألباني. وأمك أولى الناس بهذا.
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَاةٌ فَقَالَ: اقْسِمِيهَا. قَالَ: "وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا رَجَعَتِ الْخَادِمَ قَالَتْ: مَا قَالُوا لَكِ؟ تَقُولُ مَا يَقُولُونَ يَقُولُ: بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ فَتَقُولُ عَائِشَةُ: وَفِيهِمْ بَارَكَ اللهُ، نَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَالُوا ، وَيَبْقَى أَجْرُنَا لَنَا.". رواه النسائي في "الكبرى" (10062)، وحسنه الألباني.
وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين والدعاء لهما بالرحمة قال تعالى: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا الإسراء/24.
وكان الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه "إِذَا دَخَلَ أَرْضَهُ بالعقيق صَاحَ بِأَعْلَى صوته: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُمَّتَاهُ! تَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. يَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا. فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ! وَأَنْتَ. فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَرَضِيَ عَنْكَ، كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا" رواه البخاري الأدب المفرد (11/14)، وحسن إسناده الألباني.
فسماع دعاء الأم، عند برها وإكرامها، والتأمين عليه: لا ينقص الأجر ولا يُنافي الإخلاص، بل هو من عاجل بُشرى المؤمن، ومما ينبغي للمؤمن أن يفرح به، ويرجو نفعه وبركته في دينه ودنياه.
والله أعلم.