ما معنى قوله تعالى: «وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته» في سورة النساء؟

25-10-2026

السؤال 663832

ما معنى قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) النساء/130؟

ملخص الجواب:

تبين الآية أن الزوجين إذا تعذرت العشرة بينهما وافترقا بطلاق أو خلع أو فسخ، فإن الله يغني كلًّا منهما من واسع فضله، بما يرزقهما من راحة النفس، وسعة الرزق، أو العوض بزوج أصلح، وفق حكمته سبحانه.

الجواب

الحمد لله.

قال الله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا النساء/130.

أولاً:

موقع الآية وسياقها التشريعي:

جاءت هذه الآية بياناً للحالة الثالثة من أحوال العلاقة الزوجية، بعدما بيّن الله تعالى حالتين قبلها:

الحالة الأولى: خوف الشقاق والنشوز والرغبة في الصلح وتنازل أحد الطرفين عن بعض حقوقه: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.

الحالة الثانية: ندب الزوج إلى العدل بين نسائه، مع التنبيه على عجز البشر عن التسوية التامة في ميل القلوب والنهي عن تعليق المرأة؛ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ.

الحالة الثالثة: تعذر الوفاق واستحكام النفرة، فشرع الله الفراق وقطع دابر الضرر، واعداً كلاً منهما بالعوض والغنى من واسع فضله.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في "جامع البيان" (7/577):

«يقول جل ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها... الصلحَ، بصفحها لزوجها عن يومها وليلتها، وطلبت حقها منه، من القسم والنفقة... وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان... فتفرقا بطلاق الزوج إياها؛ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ يقول: يُغْنِ اللهُ الزوجَ والمرأةَ المطلقة من سعة فضله؛ أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلّق الأول، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا يعني: وكان الله واسعاً لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه، حَكِيمًا فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق...»

وأسند عن مجاهد بن جبر في قوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ قال: الطلاق، يغن الله كلاً من سعته.

وقال البغوي رحمه الله:

«وَإِنْ يَتَفَرَّقَا، يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ، من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا، واسع الفضل والرحمة، حكيماً فيما أمر به ونهى عنه» انتهى من "تفسيره معالم التنزيل" (2/296).

وقال ابن الجوزي رحمه الله:

"قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقا) يقول: وإِن أبت المرأة أن تسمح لزوجها بإيثار التي يميل إِليها، واختارت الفُرقة، فإن الله يغني كلَّ واحد من سعته. قال ابن السائِب: يغني المرأة برجل، والرجل بامرأة" انتهى من "زاد المسير في علم التفسير" (1/483).

وقال السعدي رحمه الله في تيسير الكريم الرحمن (ص: 207):

«هذه الحالة الثالثة بين الزوجين، إذا تعذر الاتفاق، فإنه لا بأس بالفراق، فقال: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا أي: بطلاق أو فسخ أو خلع أو غير ذلك يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا من الزوجين مِنْ سَعَتِهِ أي: من فضله وإحسانه الواسع الشامل. فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله، وإن انقطع نصيبها من زوجها؛ فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجاً خيراً منه، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه. ولكنه مع ذلك حَكِيمًا أي: يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة...» انتهى.

ثانيًا:

1.معنى التفرق: يشمل انفصال الزوجين بطلاقٍ أو خلعٍ أو فسخ، ويدل بصيغة التفاعل على أن الفراق قد يكون بطلب أحدهما، أو برغبتهما معاً، عند تعذر العشرة بالمعروف.

2. معنى الغنى من السعة:

يظهر مما سبق عموم الغنى والسعة فيشمل:

   أ- غنى النفس والراحة: بزوال النكد والمشاحنة، وحصول السكينة وانشراح الصدر .

  ب- العوض بالبديل الصالح: أن يرزق الله الرجل زوجة أصلح له تقر بها عينه، ويرزق المرأة زوجاً خيراً لها يكرمها

 ج- السعة في الرزق والمال: بدفع توهم المرأة أن رزقها سينقطع بفراق المنفق، أو توهم الرجل أن الفراق سيجلب الفقر؛ فالرزاق هو الله المتكفل بالخلائق جميعاً.

ينظر: إجابة رقم: (3054).

والله أعلم.

تفسير القرآن
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب